الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

"وراء الفردوس" سحر الحدوتة!

"كنمرة هائجة نزلت سلمى رشيد درجات سلالم بيتهم الثماني، يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبي الضخم الذي يحمله. وقفت في منطقة جرداء بالفناء الخلفي الذي فقد كثيراً من رونقه، وأشارت بيدها فوضع الخادم حمولته على الأرض، مسح العرق والتراب عن وجهه"...

بمشهد مليء بالحركة -سيتكرر كثيراً داخل الرواية- بدأت أحداث رواية "وراء الفردوس" الصادرة عن دار العين للكاتبة منصورة عز الدين التي صدر لها من قبل مجموعة بعنوان "ضوء مهتز" ورواية بعنوان "متاهة مريم".

الرواية المرشّحة في القائمة القصيرة لجائزة البوكر تعدّ رواية أجيال، ولكن بشكل غير تقليدي وبقفزات خلفية وأمامية للزمن بين الأجيال دون السير على خط متوازٍ للزمن.

تبدأ أحداث الرواية بسلمى وهي تودّ حرق الصندوق الخشبي الذي يحوي أوراقا وأشياء لأبيها لم تفصح عن محتواها الراوية، وفي المشهد تحرق الصندوق، ولكن عند تكراره في الرواية نكتشف أن الصندوق لم يحترق.

"سلمى" و"جميلة" الجيل الثالث الذي تبدأ بهما الرواية. "سلمى" هي الشخصية المحورية، شابة تسيطر الأحلام والذكريات على حياتها، وتتخيل فردوساً خاصاً بها تتمنى الذهاب إليه. وتتحكم الأحلام في حياتها..
"عادت سلمى إلى بيت أبيها مدفوعة بحلم!".

وفي حلم ترى أنها تقتل جميلة صديقة طفولتها، وعندما تصحو تشعر بالذنب كأن فعلتها كانت حقيقية..
"قالت لنفسها: أنا قتلت جميلة".

وجميلة تعتبر المعادل الموضوعي لشخصية سلمى؛ فهي صديقة طفولتها على الرغم من اختلافهما. فسلمى تحب الظهور وجميلة ترغب في الاختفاء. سلمى تحتقر جسدها وجميلة تحتفي بجسدها. سلمى ابنة الطبقة العليا في الريف ووالدها صاحب مصنع الطوب. أما جميلة فهي ابنة خادمهم "صابر" الذي صرعته ماكينة في مصنعهم.

بعدها نلتقي بشخصية "ثريا" والدة سلمى وشخصية "نظلة" عمة سلمى التي تشبهها سلمى بشكل كبير في تعاملها مع جسدها، حيث ظلت طريحة الفراش مدة أربع سنوات منذ أغلق عليها باب غرفة النوم مع عريسها رقدت دون حراك وامتنعت عن تناول الطعام وبعد الأربع سنوات وطلاقها من عريسها عادت لمرحها السابق ولم تتزوج مرة أخرى. أما سلمى فبعد زواجها من "ظيا" البريطاني من أصل باكستاني تحولت العلاقة بينهما لشيء مقيت يضغط عليها، وكان جسدها يتمرد ثم تحول لجسد ميت.

أما شخصية جميلة فتنعكس عليها شخصية "لولا" أخت ثريا التي حملت بدون زواج وانتحرت، وأصبحت النقطة السوداء في حياة ثريا التي تتحاشى الكلام عنها. أما جميلة فأخطأت مع هشام ابن "جابر" زوج والدتها وشقيق "رشيد" والد سلمى، ولكن مع الفارق فـ"لولا" انتحرت أما "جميلة" فلم تهتم بالخطأ وانكبّت على دراستها أكثر وكأن خطأها دفعها لأن تصبح الأفضل.

الرواية يرويها ثلاث شخصيات؛ أولها: المؤلفة والتي كان حضورها واضحاً في وجود الهوامش، وثانيها: شخصية الراوي شبه العليم وغير الموثوق فيه أيضاً، فهو يروي أحداثا ثم يعود لها برواية أخرى، وثالثها: شخصية سلمى نفسها فهي تكتب رواية بناء على نصيحة طبيبتها النفسية.

يقابلنا في الرواية شخوص آخرون منهم "رشيد" والد سلمى و"جابر" و"سميح" الإخوة ووالدتهم "رحمة" التي ماتت أختها أثناء إنجاب سميح، فتزوجت زوج أختها وأنجبت جابر ورشيد، ومن هنا يأتي ابتعاد سميح عنهما فهو غير متعلم ويهتم بالزراعة ويعيش حياته على أمل تعلم القراءة لكي يعرف محتوى الأوراق التي تركها والده. أما جابر وسميح الشريكان في مصنع الطوب الذي مات فيه "صابر" والد جميلة. ويعمل به "رزق" الحريق المسيحي والد لويزا.

وشخوص كثيرون تقابلهم.. كل شخصية لها حكاية وتتضافر الشخصيات في نسيج متين شيق مكونة الرواية التي ترتكن بشكل كبير إلى أسلوب الحدوتة الساحر، وتنتقل من حكي لآخر ببراعة شديدة وقفزات رشيقة في الزمن. وتتوالى الشخوص في عرض شيق لرحلة سلمى للذهاب إلى فردوسها الخاص عبر الأحلام -التي تهتم بتفسيرها- وذكريات الطفولة في إطار رصد للمتغيرات الاجتماعية التي حدثت من فترة الثمانينيات وما قبلها أيضاً إلى زمننا هذا، كعرض تاريخ مصانع الطوب وتغييرها لنظام الحياة في الريف وتنتهي الرواية بانتهاء رواية سلمى وتسليمها لجميلة كأنها وصيتها ووقوع حادث لسلمى. وتوصلنا لتساؤل: هل تمكّنت سلمى من الذهاب إلى فردوسها أم ظلت سجينة مخاوفها وذكريات طفولتها؟
نشر في بص و طل اولاً