الثلاثاء، 20 أبريل، 2010

"عجائز قاعدون على الدكك" حنين لرائحة زمن مضى!

كأنني كنت هناك..
في الريف، بتفاصيله كلها.. شوارع ترابية.. جدران طينية.. حيوانات وإوز وبط.. صِبْيَة يلوّث الطين ملامحهم.
كأنني كنت هناك..

جالسة بجوار عجائز على دكك ينتظرون الموت.

جو الريف والعجائز والموت، هي التفاصيل الأساسية التي يستلهم منها الكاتب "الطاهر الشرقاوي" مجموعته القصصية "عجائز قاعدون على الدكك"، الصادرة حديثاً عن دار نهضة مصر.

وكان لتلك التفاصيل حضور كبير في معظم قصص المجموعة، وهي تفاصيل قد تبدو مألوفة بالنسبة للقارئ؛ ولكن يختلف رصد الكاتب لها.

حيث يرصد الكاتب الريف بتفاصيله التي يراها هو؛ فيصنع جواً عاماً تشترك فيه أغلب قصص المجموعة.

تحتوي المجموعة على 29 قصة، وتقع في حدود 72 صفحة، وتتراوح أحجام القصص بين أقل من الصفحة وثلاث صفحات، يحشد الكاتب من خلالها شخوصاً كثيرة بتفاصيل متنوعة في نسيج مكثف، مستخدماً لغة ذاتية وشاعرية خاصة به تعتمد على بعض مفردات بعينها كـ"يبص - يشوف - يقعد".

وتبدو تلك المفردات عامّية بالنسبة للقارئ؛ لكن الكاتب ضفّرها في نسيج السرد ليصنع لغة خاصة به بنكهة سردية خاصة.
واعتمد الطاهر الشرقاوي على الحوار الداخلي في معظم قصص المجموعة.

فعنوان المجموعة "عجائز قاعدون على الدكك" ليس عنواناً لأي قصة من قصص المجموعة؛ وإنما ورد ذكره في قصة بعنوان "ماء البحر"؛ "حيث أناس عجائز قاعدون على الدكك في بيوتهم، يحنّون إلى رائحة زمن قديم، وإلى شرب كوب شاي معمول من ماء البحر.

وتشترك معظم القصص في بعض الكلاسيكية؛ كطريقة العرض وأسلوب الحكايا التقليدي؛ فقصة مثل "زيارات سرّية " تبدأ بـ: "كان هناك ولد صغير، لم يكن فمه تحت أنفه كبقية الناس، كان في جانب وجهه، تحديداً تحت خده، لم يكن شكله بشعاً، أو مقززاً؛ لكنه كان غريباً، وغير مألوف".

وهناك أيضاً قصص بها تجديد كبير وتميّز مثل قصة "الشرير":
"لن أقوم بعمل أشياء عبيطة، كأن أجرح سياراتكم الراكنة بمسمار أخبّؤه في يدي، وأتفرج عليكم وأنتم تشتمون: أولئك الذين لم تربّهم أمهاتهم".

وكرر الكاتب بعض المفردات مثل "المقابر - المسجد التايه - بعض الحيوانات - الموت"، والموت هو أكثر تيمة استخدمها الكاتب في المجموعة؛ ففي بعض القصص يرتّب لموت ويرسم تفاصيله، وبعض القصص لعجائز ينتظرون الموت وينكرونه في نفس الوقت، ورغم ذلك فالتنوّع مسيطر على قصص المجموعة.

نجح الطاهر الشرقاوي في رسم ملامح عالم خاص، أبطاله كبار السن والعجائز، وصنع رؤية ريفية خاصة به، بجوار الجو العام القائم على الرصد والحكي التقليدي البعيد عن شكل قصة الحداثة التي لا يتفاعل معها القارئ.



نشر في بص و طل اولا