21 ديسمبر, 2011

دوران



لعله سيبقى طويلاً في دورانه المحموم حولي ،و لعلي سأراوغه بعض الوقت و في النهاية  بالطبع سأستكين كأي بطلة افتراضية . 
هو لا يعلم أن تلك الدلاية المعلقة في صدري فارغة ،لم أخبرالراوي بهذا و لم يتوقعه .سيكتب عن تلك الصورة الراقدة  داخل الدلاية و عن علاقتنا التي انتهت و سأتركه قليلاً يرتب تفاصيل علاقاتي المنتهية ،
ربما سيضع لها فترة انتقالية تحدد تفاصيلي الكثيرة ،سيقول أن معظم علاقاتي لم تتخطى الست أشهر ،و ربما يزيدها شهراً.
غريب هو و يصر على رواية الحكاية من وجهة نظره .
كان يستطيع منذ البداية أن يكتب شخصية أليفة و رقيقة مثل تلك الفتاة الخمرية التي قابلتها للتو داخل إحدى الروايات ،كان يمكن أن يكتب عن ضفائرها البنية و عينيها الواسعتين التين وضع الله فيهما كل الوداعة  و السكون .
طلبت منه منذ البداية أن يكف عن محاولة كتابتي ،أخبرته أنني خلقني الله من لحم و دم و روح و لن أتحول إلى حبر وورق ،
أظنه لم يحاول أن يسمعني ،يقنع نفسه أن نظرته وحده لي كانت تكفي بأن أسمح له بكتابتي .
هو لم ير مني سوى غلاف حانق دافيء متشح بالأحمر و يحكم لف  الإيشارب حول  أذنه ،غلاف تعثر في الرصيف فصرخ قبل أن يهوي فانتيه إلي .

...

"تسمعني أنت ؟"
"لو حاولت انقاذي يومها لكنت طاوعتك وأصبحت كتابتي أكثر مرونة ، 
 كنت منذ البداية شاهداً فقط و لم تود الإنزلاق في تفاصيل الحكايا ،لتخبرني أنت عن حياتك المملة ،عن سنوات عمرك الثلاثون ،عن خوفك المرضي من القطط  ،و إدامانك لحبات المنتوس البيضاء .
 لو تركتني ارويك سأكتب عن صباحاتك المحبِطة  و صوت أم كلثوم ومسحك اليومي للتراب على  قلبك العطن ،سأكتب عن جرحك القديم و الندية التي تعلو حاجبك الأيمن و الحساسية التي تصيبك عقب الحلاقة "
"أيها الراوي :
فقط في الحياة يحدث هذا الموقف أن أستوقف ميكروباص و أجد نفس الفتاة في آخر كرسي ملاصقة للنافذة لمرتين في فترات متباعدة ،هذا يحدث في الحياة فقط الخالية من المنطق ،فلا تحدثني  عن اللامنطق في الحكايا و عن أن بطلتك الافتراضية صادفت حبيبها بعد زمن على رصيف و لم تتعرفه "

 حسن ..
لن أكن بتلك القسوة معك ،سأحنو عليك قليلاً و أمرر لك تفصيلتين تكتب عنهما ،
أيها الراوي :  
أنا إبنة الخامسة و العشرين التي تعاني من فقدان شيء ما لم تعلمه بعد ، أنا أعاني من حساسية مزمنة تضطرني لابتلاع الكثير من أقراص مضادات الهستامين ،لدي أذن كبيرة و أخرى صغيرة لن تلمحها إلا حينما أخلع حجابي ، أعاني من تشيز فوبيا -أظنك لم تسمع بها قط ؟ - و أبتلع حبان المنتوس الحمراء .
أيها الراوي
أنا أعشق الحكي فاحك لي  ،لا وضعك الله تحت سطوة الحكايا .

.... 

"سأحكي  لكِ  حكاية تشبهك تماماً يا جميلة ،حكاية عن شاب ثلاثيني يعشق حبات المنتوس البيضاء  و يخاف من القطط خوفاً مرضياً ،و عن بنتاً هجرته مازال عطرها ملتصقاً بأنفاسه ،بنتاً تبتلع حبات المنتوس الحمراء و تعاني من حساسية مزمنة و حالة  نسيان مزمنة .
صبراً قليلاً  يا جميلة ،لن أراوغك فالحكاية أبسط من ذلك .
الشاب   حينما لمح البنت  على الرصيف المجاور تتعثر في حقيبتها الواسعة و تهوى ،لم يفعل عقله شيء سوى التذكر  -في لغة الحكاية يسمى هذا إجترار الذكريات يا جميلة- و معاودة نبضات الحنين ،في الوقت ذاته الذي لملمت فيه البنت حقيبتها ،نظرته بإيلام و رحلت.
....
تلك هي النهاية يا جميلة ،
قلت لكِ أن الحكاية أبسط من مراوغتك .فاتركيني أكتبك في حكاية أخرى  ،
حكاية جديدة تماماً عن الأميرات و الجنيات و المطر ،
و استكيني تماماً . 

   

4 التعليقات:

إيناس حليم يقول...

من أجمل ما كتبتِ يا هبة :)

إيناس حليم يقول...

تعالي الفيس بقى يا بت.. ده انتي فاتك كتير اوي

هبة خميس يقول...

ربنا يخليكي يا احلى نوسة :*

هبة خميس يقول...

فاتني بجد؟
فاتني ايه ؟
:))