الخميس، 23 مايو 2013

عزيزي حازم :رسالة مملة عن الدنيا و أحوالها .





تهاجمني أحياناً الذكريات بزخات وفيرة تشبه ليلة سكندرية ممطرة في شهر أمشير ،حينما تهاجمني لا أملك مظلة أصد بها تلك الزخات و يتعين علي هضمها و امتصاصها بالكامل بدون تفكير .
تبدو ذاكرتي أحياناً مثل المنخُل تفلت أشياء و تتبقى كرات كاملة صلبة تأبى الانفلات بين الثقوب .
أتخيل نفسي عجوز مثقوبة الدماغ تبحث بدقة عن ذكرياتها في الشقوق و الأركان ربنا تجد إحداها تائهة فتبلتلعها بالكامل .
أنت تعلم أن التعايش مع تلك الذاكرة يبدو عسير ،لذا تركت لي ذاكرتك بالكامل لأملأها بذكرياتي ،حكيت لك عن معظم تفاصيل الذاكرة التي تومض لي أحياناً فأطلعك عليها مسرعة كي لا تضيع .

في إحدى حالاتي المتأرجحة هاجمتني الهارمونيكا ،
كل علاقتي بها بدأت من الصفارة الزرقاء التي ابتاعتها لي أمي و ندمت فيما بعد لأنني أوجعت رأسها بألحاني الشاذة فأخفتها مني أو ربما تخلصت منها سريعاً .
صالحني جدي بعدها بهارمونيكا سوداء حقيقية ،وقتها تخيلت  أنني حينما أنفخ في ثقوبها بهدوء ستخرج أعظم الألحان ،كل ذلك تلاشى بمجرد نفخي المسرع في الثقوب لتخرج ألحان أسوأ من سابقتها .
أخفيت الهارمونيكا في أحد الأدراج و نسيتها ،
منذ شهور هاجمتني ثانية ،بحثت عن كل شيء متعلق بها :
أماكن لتعليمها ،فيديوهات لإتقانها و سماعها .
بحثت عن كل شيء و نسيت البحث عن الهارمونيكا المخبأة في أحد الأدراج .
أيام بعدها و نسيت كل شيء .
فعلت نفس الشيء لأتعلم العود .

في بداية علاقتنا أخبرتك أنك كنت كالقشة التي علقت عليها دنياي ،
كنت مخطئة بعض الشيء لأنك لم تكن كالقشة فقط ،
أنت مددت يديك و أمسكتني بأكملي لتشدني للحياة ،أوصف أحياناً حبي للحياة على أنه الرغبة العنيفة في الطعام و النوم ،
و منذ عرفتك لم أتوقف عن فعل الاثنين .


تطاردني "أمل" منذ أيام ،أمل بطلة روايتي التي لم أكتبها بعد .
أراها في ملامح بنت بشعر معقوص على شكل ذيل حصان قصير ،أراها في مشيتي المتعجلة القلقة .
أمر من أمام مخزن "درينكيز" فأتخيلها في الشقة أعلاه ،يقلق نومها هاجس أن يفجر أحدهم المخزن فتموت وسط زجاجات ستيللا .

أتعجب أحياناً من تحولي المفاجيء من فتاة ممكتئبة سوداوية معظم الأوقات و ترسم ضحكة بجانبي فكيها لأنها سمعت مرة أنه عندما نكبر يتخذ وجهنا أكثر التعبيرات التي كنا نفعلها في الأغلب فإذا كنت حزينة معظم الأوقات سأصبح عجوز كئيبة بأسنان نخرة ترعب الأطفال ،لذا اتخذ وجهي تعبير الضحكة كي أصبح عجوز باسمة توزع الحلوى على الصغار و تحكي عن شبابها بسهولة ،
أتعجب كيف تحولت من تلك الفتاة لأخرى تشرع في الزواج منك و تتمنى التعجل بذلك ،
أظنني لم أكن حقيقية تماماً في اكتئابي من قبل ،كنت أود في قرارة نفسي أن أصبح سعيدة ،هكذا فجأة .


مازال يؤلمني الخذلان و الكذب ،حتى مع تطمينك لي دائماً ،
مازال هناك ذلك الشرخ بداخلي يخبرني بألا أثق كثيراً و أن الصداقة ربما تكون ليست بذلك الجمال الذي تبدو عليه من الخارج ،
علاقة لامعة براقة لا تلبث أن تتضح لنا بقعها مع فقدان كل صديق لنا .



الثلاثاء، 14 مايو 2013

لا شيء ..





أكتب أم لا ؟
تلك هي الحفرة دائماً ،إذا لم أكتب سأصاب باكتئاب و إذا اكتأبت سأكتب .
إذا فرحت فلن أكتب ،و إذا لم أكتب سأكتئب .
أظنني محشورة دائماُ بين الممكن و الغير ممكن في فعل الكتابة ،
أتساءل ،
كيف يمكنني تجميع تلك الحالات المتناقضة داخلي كي أنقش أوراقي بكلام لن يحمل معاني تذكر؟
كيف يمكنني أن أصبح سعيدة و أكتئب في مزاجي الكتابي ؟
أعترف بأنني أجد الحزن هو المود المثالي للكتابة ،الحزن شفاف ،رائق ،راقي .مثله مثل من يكتب عن الموت .
الكتابة عن الفرحة أجدها مستهلكة ،لا تمثل أي هاجس ما .
منذ أيام لاحظت سؤال بنت على الفيس بوك عن شيء في غاية الخطورة و الأهمية الشديدة لها ،
البنت كانت تستفسر و بكل بساطة عن الكريم اللامع الذي تضعه هيفاء وهبي بين نهداها ،
وددت لو أكتب وقتها عن هيفاء وهبي و معاناتها في تحمل أطنان السليكون الجاثم على صدرها .
وددت و لم أكتب لأنني تخيلت نفسي أمسك البنت من ملابسها ،أصفعها ،أعطيها محاضرة عن الفقر و الإنسانية و النفاق و التزلف و الإخوان و العسكر . كتمت غضبي و تركت تعليقاً متعجب منها ضمن أطنان من التعليقات التي نصحتها بكل بساطة و أخبرتها بالاستعاضة عن الكريم بالجليتر الذهبي .

....

كنت أتمشى مع صديقة تحكي لي و تسب و تلعن كل جنس الذكور على الأرض و مدي خستهم و نذالتهم ،
لم أعلق كثيراً وقتها كنت مشغولة بتفحص أرصفة مدينتي البائسة في محطة الرمل . اصطدمت بعيونه البنية الصغيرة .
طفل شوارع مثل الكثيرين ملتف ببطانية و مختبيء في ظل محطة كهرباء و رائحة بول لا تطاق .
جسمه صغير و عينه حزينة ،
أعترف بأنني أبدو أحياناً متحجرة القلب مع الشحاذين ،
إلا أن عيناه عقب اقترابي منه تحجرت نظرتها . بحثت في حقيبتي عن أي مأكولات فلعنت الدايت الذي منعني من تحميلها بالبسكويت أو الشوكولاتات و البونبني الملون .
عدت إلى الطفل و في يدي جنيهان فقبلهما و لم تبدي عيناه أي رد فعل ،كانتا كحجرين ثابتين .
منذ أيام قبلها جمعت ملابس من أخي لأعطيها للطفل بائع الكعك و العيش الفينو في طريقي ،أعطيتهم للطفل و رحلت .
أثناء مروري من أمامه في يوم آخر وجدته يصفر لفتاة و يحدق في مؤخرتها بوقاحة .
من يومها لم أشتري منه شبابيك الكعك .

....


الكتعة هو تسميتي القديمة ،تسميتي التي ظلت مع مدة طويلة حتى نهاية سنوات الجامعة لأنني لم أتقن الأعمال المنزلية و أتساءل دوماً عن راحة أخوتي الذكور و تعب أمي المتواصل بالمنزل .
رفضت وقتها الدور المحدد لي سلفاً و تساءلت عن أدوار أخوتي و أبي و افتقارهم للنظام و النظافة و مدى مسؤوليتهم عن أنفسهم .
بسبب رفضي الصريح تم الاتفاق على تسميتي التي اندثرت مثل كل الأشياء بالتقادم .

...

أسمي نوباتي الحالية بنوبات اجترار الذكريات السيئة باقتدار و معاودة الذكريات السيئة .
أذكر واقعة حجابي في سنوات  المدرسة الإعدادية و الأسباب التي ساقها أبي و أخي لتجيبي من ضمنها أن من يبحث عن زوجة يجب أن تكون محجبة حتى يضمن احترامها كزوجة ،و أن الحجاب سيقوم بحمايتي من كل شيء كأنه أصبح هالة تقديس على رأسي وقتها .
لم أرد عليهم بأن الزواج وقتها كان آخر ما يشغلني في حياتي و أنني وافقت على الحجاب لأنني أردت التشبه بمعظم بنات الفصل من المحجبات و أصدقائي فقط .
كلما ذكرت تلك الواقعة لم أتعجب من حججهم التافهة في نظري و محاولات قولبتي على مقاسهم ،أشمئز فقط من تفاهتي وقتها و الضعف البالغ في شخصيتي أمامهم ،ذلك الضعف الذي انهار بعدها في آخر محاولة  لهم في قطع أطرافي لتلاءم حجم القالب الذي وضعوني به .

...

أحب امتلاء كفك و كبر حجمه البالغ بالمقارنة بكفي الصغير ، أشعر أحياناً أن كفك مناسب تماماً لإحاطة وجهي به ، مناسب لطبطبة كبيرة على ظهري حانية .
حجم كفك متناسب حتماً بشكل طردي مع حنانك البالغ ،
أتعجب أحياناً من قدرتي على العيش بكف صغير دقيق ، كيف سأحنو عليك به ؟
كيف يصنع قدر من الطبطبة يكفكف روحك ؟
كيف أضم كفيك معاً و أربت عليهما ؟
كيف أمسد على رأسك بذلك الكف الصغير؟ .

...
حلمت من يومين بأنني سافرت اسطنبول ،كان حلماً ثلاثي الأبعاد ،سافرت مع صديقة و كان من ضمن نزهاتنا ركوب مركب كبير وسط البسفور -لم أزر البسفور من قبل – المركب ترنحت في البحر كثيراً و دارت حول نفسها أكثر من مرة ،ارتكنت إلى ركن ضيق و تكورت على نفسي من رعبي الشديد و غثياني ، أغمضت عيني و مددت يدي للأمام تتلمس يداك فوجدت الفراغ و صحوت من النوم .

في اللاجيتيه أحاول تحسس طريقي بين الباعة و المارة و النساء الشرهات للشراء و الألوان الفاقعة .
أفكر وحدي في غربتي وسطهم .
أحاول سحب أمي من أمام الباعة بنفاذ صبر .
أفكر في أنني لا أملك نصف جينات حبهم للشراء و لا أملك بجاحتهم أمام بائعي الملابس الداخلية و اللانجيري من الرجال ،
أمد يدي للأمام لتلمس يداك فلا أجدك ،أبحث عنك لتشدني من وسطهم و تأخذني فلا تأت.

.....

الاثنين، 6 مايو 2013

حاجات ممكن تتقال في أي وقت






فيه دبانة محبوسة معايا في الأوضة بقالها أكتر من 3 أيام ،
فشلت كل محاولاتي لطردها برة الأوضة –أوضتي المقدسة- المحرمة على بابا و أخواتي و حلال على إيدين ماما ،
كل يوم بعمل أربع محاولات عشان أخرجها و مفيش فايدة .أطفى نور الأوضة ،أغطي الفاكهة و أي أكل بيصادف وجوده في الأوضة ،أولع نور الطرقة و أبتدي أهشها .
أكتر من 4 مرات في اليوم بتخدعني و توهمني إنها خرجت ،أول ما ادخل الأوضة و اقفل بابها و أولع النور ألاقيها بتزن و تلف في دواير قريبة مني لدرجة إني بقفل عليها ايدي في كل مرة بس بيصعب عليا أموتها .
الدبانة بقيت رفيقة اوضتي الوحيدة اللي بتضاحبني في أغلب حالاتي ،بتتصنت على تليفوناتي ،بتضحك عليا و أنا بحاول أعمل تمارين و أقع في كل مرة ،و بتسكت لما بحب أفكر من غير صوت أو أغاني .
رفيقة أوضتي الدبانة الوحيدة اللي أول ما بدخل الاوضة ألاقيها بتطلع من اللامكان و تزن زنتين عشان تعرفني أنها موجودة .
في اليوم الرابع لوجودها في أوضتي ،استسلمت تماما ومحاولتش أخرجها  و رحبت بيها كأول رفيقة ليا في أوضتي يزيد وزني عن وزنها اكتر من مليون مرة .
.....
ريتا كانت أقصر مني بشوية و أرفع مني بشويات ،شعرها كان ضعف طول شعري ،بتضمه في كحكة مش بتفكها إلا في العيد و بتعمله ديل حصان طويل بيوصل لرجلها .
في أول معرفتي بريتا ،كنت بخاف من بشرتها الشاحبة وصوتها الواطي اللي بيهمس و لفة شعرها اللي مش بتغيرها ،وقتها كانت البنت المسيحية الوحيدة اللي في الفصل البعيدة عن "شلة القبط" و هي شلة البنات المسيحيات الموجودين في كل فصل .
كل البنات كانوا بيستغربوا بعدها عنهم و لما سألتها قالتلي انها مسيحية زيهم بس كاثوليكية .
قعدت أتخيل فرضيات لأهلها و شكلها الغريب و لون بشرتها البعيدة عن شكل المصريين ،افترضت إن أهلها كانوا أرمن أو شوام ،أو أمها أوروبية و اتعاملت معاها من المنطق دة .
ريتا كانت كل حد سعف بتلبس أسورة من السعف المجدول و لما أقولها إنها عاجباني كانت بتخلعها و تلبسهالي .
ساعتها كنت بضطر ارمي الأسورة و أنا مروحة البيت عشان محدش يقول عليا إني مسيحية .

.....
و إحنا عند جدتي ماما طلبت من خالي جنيه ورق جديد من فلوس جدو عشان ميدو –أخويا- يديه لعروسته بعد كتب الكتاب عشان دة مهرها المكتوب في العقد .
ساعتها فضلت متابعة الموقف ،كل محاولات تيتة للبحث عن فلوس جدو –الله يرحمه- و محاولات خالي لاقناع ماما انه تقبل بنص جنيه مش جنيه عشان هو مش لاقي الجنيهات الورق . ماما أصرت على موقفها و صممت تدور عالجنيهات و لقيتها ،
أول ما طلعت الجنيه من لفة الورق وسط الجنيهات أخواته ارتجفت .
فكرت في انه لو أظهرت اهتمامي خالو هيطلع جنيه و يديهولي أشيله معايا دايما ،جه على بالي إني هصعب عليهم و مش ممكن يفوتوا الموقف من غير ما ريحة جدو تتحط في محفظتي .
ماما و هي فرحانة بالجنيه حكتلي إن الفلوس دي متبقيىة من آخر عيديات اداهالنا قبل ما يموت ،و انه خالو لقاهم في الدولاب بعد العزا و ساعتها وزع عليهم منها عشان ياخدوا نصيبهم من ريحة أبوهم اللي مات .
أملي خاب لما لقيت خالو بيلف الورقة و و بيرجعها الدولاب من تاني ،و بيرجع ريحة جدو فيها لعطن هدومه القديمة و برفاناته المقفولة .