الجمعة، 20 سبتمبر 2013

مفتاح



وسط حر نهاري و شمس ساخنة تحرقني من الداخل ،أتمشى في شوارع عمان الغريبة ،
يلفني الغبار و ينهكني صعود الطرقات الجبلية و السلالم المرتفعة ،أستمر بالمشي ،
المشي مترجمي الصدوق و صديقي الأوحد في المكان ،أتعرف من خلاله على نفسي و على الطرقات العالية ،و السلالم المختبئة داخل الجبال .

*****

ازيد من اتساع آذاني كي تصبح في اتساع آذان الحمار ،كي أسمع أكثر و لا أتحدث كثيراً،
أفكر في ان الحمار يمتلك أوسع آذاناً كي يسمع كل شيء و يتهمه الناس بالغباء .
لن أتحول إلى حمار ،فقط بنت بآذان كبيرة مختبئة خلف حجاب ملون ،يبدو ذلك من مزايا الحجاب أحياناً ،ميزة سأتذكرها و أنا أرى شعر صديقتي ثائر يلامس السماء ،و جونلتها القصيرة تظهر جمالها ،
صديقتي على عكسي تعلن عن نفسها في كل مكان ،تتلمس ساقيها و ذراعيها كل مساء بحثاً عن شعرة تكدر نعومتهما فتنزعها بغضب و تكمل تحسسها .

*****

و أنا مستمرة في المشي بلامبالاة شديدة ،لا أنزر لعيون المارة على الجانبين كي لا يفضحون غربتي وسطهم ،أنكس رأسي حتى تلامس الأرض .
شيء لامع في الرمال يخطفني ،

******

مع كبر و اتساع آذاني صغُر فمي حتى أصبح مثل نقطة لفم بطلة يابانية في فيلم أنيميشن ،
مع هذا الفم الصغير فقدت قدرتي على التحدث بغزارة ،هربت مني الكلمات الكبيرة لأنها لن تستطيع العبور من خلال شفتي الضيقتين ،
أسمع كثيراً و لا أجد تعليقاً مناسباً لحجم فمي الصغير فأكتفي بهز رأسي ،
أتلصص على الجدران و المباني و أجساد الناس الخاوية ، و أغلق فمي الصغير بذراعي كل لا يتسرب همسي فيسمعه متلصص آخر .

*****

أفكر كثيراً في أبطال روايتي المساكين ،كيف تحملوا مأساة أن تكتب أعمارهن شخص مثلي ؟ ،فاقد الرؤية الطبيعية ، و ماضغ لأحزان الآخرين و حيواتهم .
أفكر فيهن كثيراً ،
صدقاً أشفق عليهن .

*****

أثناء تحسس صديقتي لساقها الطويلة تفاجأ بأكثر من ثلاث شعيرات ،تقترب بشفرة الحلاقة من ساقيها و تحلقها بغضب ، تجرح ساقها  بعنف و تحاول كبح النزيف ،
أنظرها ،أخبرها بأنتي لست مضطرة لحلاقة ساقي قبل خروجي من المنزل لأنني لا أرتدي التنورات القصيرة ، و أغطي جسمي بالكامل من رأسي لقدمي ،و ألف رأسي بوشاح ملون .
تنظر لي بألم ،تتهم نفسها بالغباء ثم تعاود كبح نزيف ساقها .
أهمس لنفسي بأننا صرنا متعادلين الآن و لتهنئي بانتصارك الصغير عليها .

*****

ما كان يلمع برمال عمان هو قفل صغير ذهبي ،تحسسته من الرمال ،نظرت حولي بسرعة ثم خبأته بداخل حقيبتي البنية ،
حينما أرهقني العرق و التعب من محاولة تسلق الطريق ،عدت إلى الغرفة ،أخرجت القفل و طفقت أفتحه ،
سبع محاولات مرهقة و لم أفتحه .
غضبت منه و قذفته في عمق الحقيبة و نمت .

*****

تنتابني حالات النوستالجيا المزمنة حينما أعبر غرفة أخي المتزوج ،أفكر كيف احتضنت الغرف الصغيرة كل اختلافاتنا و كيف جمعتنا بها كل يوم ،
أستعيد ذكرياتي ،جدي،عمرو دياب و ألبومه السنوي ،سندوتشات الفول الصباحية ،و طعم الشكشوكة الحاد مساءاً ،رائحة العرق و صياحنا الدائم لمحاولة إيقاظه من نومه الثقيل .
أفكر في غرفتي الصغيرة حينما سيعبر بها أخي الصغير بعد زواجي ،كيف سيشعر بها ؟ ،من أين يأتي بكنوزها المتمثلة في علب الشوكولاتات و المكسرات و الفواكه الناضجة التي أملأ بها الغرفة ؟ .
هل سيفكر بي ؟ ،أتشعر الغرفة بغيابي أم ستبتلع الذكريات و تخفيها ؟.

*****

يمتليء دولاب صديقتي الفلسطينية بالبضائع العبرانية ،من شامبو الشعر لنقود حافظتها لملابسها ،
في كل مرة أفتح الدولاب أغضب من العبرية التي تطل علي منه ،أفكر فيها ،كيف تستطيع تدليك رأسها بشامبو من العدو ،هل ستحلم بشعرها الثائر يتحول لكرة من النار تحرق رأسها ؟ .
كيف استطاعت التغلب على غضبها الداخلي من انفاق نقود و كسب نقود عدوها ؟.
أتساءل عند غلقي للدولاب أي سلام نفسي تعيشه صديقتي و يسكن عينيها البندقيتين و يعطيها الهدوء لتحمل استخدام العدو لجسدها عبر أرديتها و كريمات الترطيب و شامبو الشعر ؟.

*****

أنتقل من التفكير في القفل للتفكير بنفسي ،حينما صغر فمي ذهبت قدرتي على الكلام ،أحاول الصراخ فلا أجد ما يقويني على ذلك ،لا صوت ،لا كلمات .
لم أكتفي بالسماع و لا أملك رداً لا لعدم أهمية الرد بل لأنني انغلق فمي علي و حبسني بالداخل مع بضع كلمات صارخة توجع رأسي و جسمي في كل مرة أسمع فيها .

*****

في المطار أبحث عن القفل جيداً في حقيبتي ،يدي تلمس برودته و أحاول تحريكه من العمق للأعلى .
فلا أستطيع .