طعم القرفة و السكر الساخن لا يفارق لساني في تلك الليالي الباردة ،أتذكر حينما يشتد البرد و يسكن الجو في البيت كنت أعقد حمالة طفلي على ظهري و أنزل للسوق المجاور . تؤنسني رائحة الناس و الزحام ،تلك الزفرات الخارجة من أنوفهم و أصوات المقاهي العالية أسلي نفسي بها كي تشغلني عن برودة الجو .
تتصاعد رائحة القرفة من المخبز المجاور فيتذمر طفلي من الجوع الذي لمسه في تلك الرائحة ،أختار المعجنات الدائرية المحشوة بالسكر المكرمل و القرفة و مغطاة بحبيبات السمسم الساخنة .
تمتد يد طفلي من حمالته الملتصة بجسدي لتطول الشوكولاتة اللامعة على الكرواسون ،فيلطخني بالبني و أنهره عن لعق يداه بينما أمد يدي للبائع بجنيهات تكفي مشتروات بسيطة من مخبوزات القرفة و قطعة الكرواسون الملطخة بيد صغيري . في مرات أخرى كنت أسأل عن السميط الساخن و أنتظر بجوار البائع خروجه من الفرن ساخناً .في فمي تذوب حبيبات السكر مع القرفة و أمشي حاملة طفلي . الطريق المظلم الذي أسلكه تؤنسني فيه أغنية نغنيها قبل العودة للمنزل و ما ينتظرنا .
***
بين الأزقة الخلفية لبنايات رمسيس بالقرب من محطة القطار كنت أهرول لاعتقاد لدي بأن قطاري الذي لم يصل بعد سيفوتني ، في لحظة تبخر كل القلق الذي اعتراني لحظة حلول رائحة القرفة الساخنة ،التفت خلفي لأجد في ذلك الزقاق الضيق أسفل بناية ضخمة ملأي بالأطباء . مخبز صغير تتكدس فيه الأرفف و الصاجات و فوقهم يتربع الصاج الساخن بالمخبوزات الدائرية المحشوة بالقرفة و السكر . وقت لأشتري منها أكثر من واحدة لجوعي و في مقابل المخبز مقهى صغير مملؤ بالمنتظرين خارج المحطة أمثالي لتجديد المحطة .
كوب الشاي الصغير مع قضمة صغيرة من القرصة الساخنة بدد قلقي و من شدة اعجابي بها لأنني أذوقها للمرة الأولى انهيت الشاي و عدت لأشتري أكثر من واحدة في الكيس و اصطحبهم مع في القطار .
عند عودتي أمسك أخي الصغير وقتها الكيس و تناول منها لتعجبه ،أخبرني أن أشتريها لأجله كل سفر ،و عقب ذلك السفر بأيام كنت أٍافر للقاهرة يومياً لأعود بنفس الكيس أتركه على منضدة الطعام و أنام . و لسنوات قبل انتقالي للمدينة الكبيرة ظل هذا الطقس معتاداً لأيام سفري الكثيرة .
***
كنت أجري تلك المرة بسرعة معه للحاق بقطار يعيدني لمدينتي ، مررنا من أمام المخبز لكن ضيق الوقت لم يمنحنا الفرصة لنتشارك طعم القرفة بين أفواهنا . بين كل لحظة كان ينظر إلى و يضحك . كنا نشبه فيلمي المفضل و حينما وصلت للقطار كنت أود أن أقول له "كانت فرصة سعيدة قوي يا أستاذ يحيى" ،لكنه لم يكن يحيى .
بعدما وجدنا القطار منتظراً على الرصيف استقللته بسرعة و نظري معلق عليه ،وددت تلك اللحظة لو أنزل لنعود نجلس جلسة هادئة في مقهاي المفضل الصاخب ،و بين أيدينا نتشارك الطعام الذي أحبه و ينتهي الوقت عند تلك اللحظة . لم أعرف أن أوقاتاً كتلك ستجمعنا لسنوات لتصير لذة مختلسة بيننا .
بعدما استويت على مقعد القطار وجدته قبل تحرك القطار بلحظة ، نظر إلى و أعطاني قطعة من الكيك مغلفة بكيس شفاف ، يبيعونهه في محطات القطار فقط و طلب مني تناوله . ثم نزل من القطار . طول السكة كنت أذوق لذة أخرى في قطعة الكيك . مختلفة عن تلك التي اعتدتها .
***
كنت أجري بين أزقة البناياة الضخمة أمام مسجد الفتح ،أجر يد طفلي خلفي لنلح بميعاد استلام تحليل مهم و نعود ثانية للمستشفى ، تأملت الناس القاعدون على المقهي و رائحة المخبز و لم تستوقفني . حينما نزلت بعد استلامي لنتيجة التحليل كدت أبكي بينما ينهرني طفلي لجوعه . لم أتوقف للمخبز أمامي و لا لجوع طفلي . استقللت عربة لنعود للمستشفى أحاول تهدئة طفلي الذي نشأ بين أروقة المستشفيات . لم يعلم الصغير أنه سيفقد أبوه هناك للأبد .أسميناه يحيى لتلك الذكرى بيننا وقت لحاقي القطار و طعم الكيك في فمي و نظرة الحب في أعيننا .
***
قررت الذهاب للمعمل وحدي لاستلام نتيجة تحليل العينة ، الحر و الشمس مع القلق أشعروني بالإنهاك . تلك المرة لم أرى مقهاي المفضل ولا المخبز الصغير . عندي نزولي من المعمل و معرفتي لنتيجة العينة . كنت أختنق من دموع مكتومة . علمت أن علينا قطع ذلك الطريق المنهك من العلاج و المؤلم . رحلة مثل كل رحلاتنا لا نعلم إذا كان سيفوتنا القطار أم لا . و في نهايتها استقللته وحدي و أنا أعلم أنه لا حبيب ينتظرني في نهاية ذلك القطار .
السبت، 5 ديسمبر 2020
قرفة و سكر
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق