السبت، 5 ديسمبر 2020

قرفة و سكر

 طعم القرفة و السكر الساخن لا يفارق لساني في تلك الليالي الباردة ،أتذكر حينما يشتد البرد و يسكن الجو في البيت كنت أعقد حمالة طفلي على ظهري و أنزل للسوق المجاور . تؤنسني رائحة الناس و الزحام ،تلك الزفرات الخارجة من أنوفهم و أصوات المقاهي العالية أسلي نفسي بها كي تشغلني عن برودة الجو .
تتصاعد رائحة القرفة من المخبز المجاور فيتذمر طفلي من الجوع الذي لمسه في تلك الرائحة ،أختار المعجنات الدائرية المحشوة بالسكر المكرمل و القرفة و مغطاة بحبيبات السمسم الساخنة . 
تمتد يد طفلي من حمالته الملتصة بجسدي لتطول الشوكولاتة اللامعة على الكرواسون ،فيلطخني بالبني و أنهره عن لعق يداه بينما أمد يدي للبائع بجنيهات تكفي مشتروات بسيطة من مخبوزات القرفة و قطعة الكرواسون الملطخة بيد صغيري . في مرات أخرى كنت أسأل عن السميط الساخن و أنتظر بجوار البائع خروجه من الفرن ساخناً .في فمي تذوب حبيبات السكر مع القرفة و أمشي حاملة طفلي . الطريق المظلم الذي أسلكه تؤنسني فيه أغنية نغنيها قبل العودة للمنزل و ما ينتظرنا .
***
بين الأزقة الخلفية لبنايات رمسيس بالقرب من محطة القطار كنت أهرول لاعتقاد لدي بأن قطاري الذي لم يصل بعد سيفوتني ، في لحظة تبخر كل القلق الذي اعتراني لحظة حلول رائحة القرفة الساخنة ،التفت خلفي لأجد في ذلك الزقاق الضيق أسفل بناية ضخمة ملأي بالأطباء . مخبز صغير تتكدس فيه الأرفف و الصاجات و فوقهم يتربع الصاج الساخن بالمخبوزات الدائرية المحشوة بالقرفة و السكر . وقت لأشتري منها أكثر من واحدة لجوعي و في مقابل المخبز مقهى صغير مملؤ بالمنتظرين خارج المحطة أمثالي لتجديد المحطة .
كوب الشاي الصغير مع قضمة صغيرة من القرصة الساخنة بدد قلقي و من شدة اعجابي بها لأنني أذوقها للمرة الأولى انهيت الشاي و عدت لأشتري أكثر من واحدة في الكيس و اصطحبهم مع في القطار .
عند عودتي أمسك أخي الصغير وقتها الكيس و تناول منها لتعجبه ،أخبرني أن أشتريها لأجله كل سفر ،و عقب ذلك السفر بأيام كنت أٍافر للقاهرة يومياً لأعود بنفس الكيس أتركه على منضدة الطعام و أنام . و لسنوات قبل انتقالي للمدينة الكبيرة ظل هذا الطقس معتاداً لأيام سفري الكثيرة .

***
كنت أجري تلك المرة بسرعة معه للحاق بقطار يعيدني لمدينتي ، مررنا من أمام المخبز لكن ضيق الوقت لم يمنحنا الفرصة لنتشارك طعم القرفة بين أفواهنا . بين كل لحظة كان ينظر إلى و يضحك . كنا نشبه فيلمي المفضل و حينما وصلت للقطار كنت أود أن أقول له "كانت فرصة سعيدة قوي يا أستاذ يحيى" ،لكنه لم يكن يحيى . 
بعدما وجدنا القطار منتظراً على الرصيف استقللته بسرعة و نظري معلق عليه ،وددت تلك اللحظة لو أنزل لنعود نجلس جلسة هادئة في مقهاي المفضل الصاخب ،و بين أيدينا نتشارك الطعام الذي أحبه و ينتهي الوقت عند تلك اللحظة . لم أعرف أن أوقاتاً كتلك ستجمعنا لسنوات لتصير لذة مختلسة بيننا . 
بعدما استويت على مقعد القطار وجدته قبل تحرك القطار بلحظة ، نظر إلى و أعطاني قطعة من الكيك مغلفة بكيس شفاف ، يبيعونهه في محطات القطار فقط و طلب مني تناوله . ثم نزل من القطار . طول السكة كنت أذوق لذة أخرى في قطعة الكيك . مختلفة عن تلك التي اعتدتها .

***
كنت أجري بين أزقة البناياة الضخمة أمام مسجد الفتح ،أجر يد طفلي خلفي لنلح بميعاد استلام تحليل مهم و نعود ثانية للمستشفى ، تأملت الناس القاعدون على المقهي و رائحة المخبز و لم تستوقفني . حينما نزلت بعد استلامي لنتيجة التحليل كدت أبكي بينما ينهرني طفلي لجوعه . لم أتوقف للمخبز أمامي و لا لجوع طفلي . استقللت عربة لنعود للمستشفى أحاول تهدئة طفلي الذي نشأ بين أروقة المستشفيات . لم يعلم الصغير أنه سيفقد أبوه هناك للأبد .أسميناه يحيى لتلك الذكرى بيننا وقت لحاقي القطار و طعم الكيك في فمي و نظرة الحب في أعيننا .

***
قررت الذهاب للمعمل وحدي لاستلام نتيجة تحليل العينة ، الحر و الشمس مع القلق أشعروني بالإنهاك . تلك المرة لم أرى مقهاي المفضل ولا المخبز الصغير . عندي نزولي من المعمل و معرفتي لنتيجة العينة . كنت أختنق من دموع مكتومة . علمت أن علينا قطع ذلك الطريق المنهك من العلاج و المؤلم . رحلة مثل كل رحلاتنا لا نعلم إذا كان سيفوتنا القطار أم لا . و في نهايتها استقللته وحدي و أنا أعلم أنه لا حبيب ينتظرني في نهاية ذلك القطار . 

الأحد، 5 يوليو 2020

حلم

أتحسس في المساء  يقشر أخي جلده المحترق فتزكمني رائحته ،أتحسس جلدي الساخن و أجرحه بطرف أظافري لكني أتوقف حينما تهاجمني رائحة دمائي الطازجة .
صفحة البحر الملساء تعكس ظلالنا الوحيدة ،يخبرني طفلي بأن ظل والده معلق على الهلال يداعبنا من الخلف .
يسرح الطفل المعلق على الأرجوحة في السماء و يسأل عن ثياب والده المعلقة على باب حجرتنا تحرسه دوماً .
أدفع أرجوحته بقوة فيمد يديه يلامس طرف الهلال ثم تعود به ليغرس شوطة جديدة في قلبي تجاور الأزهار النابتة من بين الشقوق .
لم يكن وهماً ذلك الذي نزل من السماء لنستلقي ظلين على الرمال ، أذوق الملح على طرف شفتيه و على طرف لساني و أسكن .
يمتليء الشاطيء من حولنا بجلود ساخنة يطرحها البحر فتتصاعد رائحة الجلد المحترق منها .
تأخذني الأرجوحة لصفحة البحر الملساء و تلقي بي هناك فلا أعانق السماء ولا أعود لقدمي .
في الحلم أراك متكوراً على نفسك فتسحبني لشقوق جسدك الدافيء و أسكن . لكن الصحو لعنتي التي تخطفني من حلم طويل معك .

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2019

التخلي

كل ليلة يسألني طفلي لماذا نحن وحدنا هنا ؟،أفكر في تلك المرات التي جاوبته فيها و المرات التي لم أستطع .
أود لو أًصدمه بحقيقة نبذنا هنا .كان لنا هنا أحداً .يطوف بالدفء على غرف المنزل ،يعتني بليالينا الهادئة و يوزع الابتسامات في الأركان  .
لكنه رحل و أنا أيضاً رحلت .تركت المرأة التي كنتها و ارتديت قناع آخر .غضب لا ينتهي و فورات صاخبة و خمول مطبق .
اتقلب يومياً في ذلك المزيج و حينما يرى طفلي دموعي أبدأ بتلاوة الكذب .
كذبت مراراً إلى أن اختفت الحقيقة ،فأصحو على أمل لقاء لا يتم . أفتقد انضغاطة جسدي على الفراش و الدفء المتسلل لروحي .
افتقد صباحات عذبة و أكواب من الشاي لا تنقطع و لا تبرد .افتقد حديثاً غائماً لإنفاق الوقت و إزاحة التوتر .
يسألني طفلي عن درجاً خفياً للرب يوصله بأبوه ليراه ،فأصمت عن نبذ الرب لنا و أهرب منه لطريق لا ينتهي .ثقيل المشي وحدي و ثقيل هواء الأرض و ثقيلة بتلات الورود التي انعي قبرك بها .
أصحو يومياً برغبتين متعانقتين أعيش أم استبدلك لتعيش مأٍاة تلك التفتصيل اليومية ،ربما سارتاح طويلاً في قبر يضمني فيه أنفاسك.
في منتصف الطريق أتخيل رقبتي القصيرة المهشمة متسائلة عن موضع البتلات الحمراء المتناثرة على الأسفلت و عن معجون جسدي أسفل عجلات السيارة .
تنتابني أحياناً تلك الرغبة في التخلي عن كل شيء .أقف على تلة عالية لأقطع خطاباتك و ألقي بقلبي من أعلى و برقبة ملأى بأثار القبل ،ثم أنزع أكتاف توقت لاحتضانك . و أرحل بعيداً لأصحو يوماً جديداً لا أنفقه في انتظار من لا يجيء .

الاثنين، 10 يونيو 2019

قبلة

أتخيلها الآن مقتربة مني يد طويلة الأصابع تخترق صدري لتعتصر قلبي .لا أشعر بشي أثناء اقتراب الأنامل مني لكن ضغطها على قلبي يجعلني أود التقيؤ لأخرج كل الألم دفعة واحدة .
لكن الألم يهاجمني كدفعات قصيرة فأختنق بالدموع و العويل و بعدها أهدأ تماماً لأمر بفترات طويلة من عدم الإحساس ،لا شيء سيء في تلك الفترات سوى إحتياجي الشديد لربتة منك على صدري أو لمسة شفاهك في قبلة طويلة لم تمنحها لي على عجل .أو رأسي الملقى بين أكتافك و رقبتك ليغفو على نعومة جلدك .
يدفعني هاجس لأكمل قصة كتبتها لك لأرثي بها أجسادنا الفتية و لأفرغ فيها رغبتي الشديدة بتلك القبلة البسيطة التي  تعيد لي مذاق الطعام في فمي و مذاق الدموع في عيني .قبلة تبعد تلك المخالب العابثة بي لأغفو غفوة سريعة لأصحو و في رأسي المزيد من الأكاذيب التي أتوها على صغيري عن مكان غيابك .
أنفي عن نفسي أب موجود لأشعر بألم الصغير حينما يسأل عن أب غائب ،كأنها صارت كلمة محرمة لا تود الخروج من ألسنتنا حتى لا نتبين ضعفنا حينما نخرجها .لا نحن كنا عادلون و لا رفقت بنا الدنيا فمازلت هناك معلقة على الرصيف المقابل لغرفتك أمضغ القلق تحت زخات المطر القاسي المختلط بدمعي .و لا أعلم إذا كنت تحركت من ذلك الرصيف يوماً أم تحجرت قدماي و لبثت هنا بدونها أتخبط لا أٍتطيع الهروب من اللحظة .
يؤلمني دموعي و اسئلة الصغير و الطاقم المعلق على باب غرفتنا منتظراً عودة صاحبه الذي لا يجيء أبداً .لكنه عبر حلماً لي بخفة هامساً في أذني أنه لا راحة له في البعد و لا راحة لي أيضاّ.يزورني بأرجل خفيفة و جسد كامل فتي مثلما كان بين أضلعي ،يضغط على يدي و يردد أننا لا نرتاح في البعد حتى لو رحل المرض عن أجسادنا و يعانقني عناقاً خفيفاً لكنه لا يمنحني القبلة التي أودها و يرحل .تاركاً الأنامل تخلع شفاهي و قلبي مبتعدة .

الخميس، 2 مايو 2019

قصيدة عن الوحدة


"يسأل الطفل توني لماذا لم يشفي يسوع زوجته ؟
فيجيبه توني : لأنه أحمق.

......

في يوم ما سأكتب قصيدة طويلة عن الوحدة .ربما بعد زمن طويل من الآن سألملم أناتي و ربتاتي الليلية على أكتافي .سأجمع الدموع التي تبلل الوسادة يومياً و سأضع كل شيء بالقصيدة .و أنتظر لأعرف رأي الوحيدون فيها .
سأكتب فيها عن مرآة دورة مياه تتمنى لو انعكس عليها ظلين لمتحابين .فكل صباح يعانقها ظل واحد و تنتظر في خيبة الظل الآخر الذي يبدو صغيرا من بعيد حتى يكبر و يلامس الظل الوحيد .لكن المرآه تظل هناك وحيدة بظل واحد حزين .
سأكتب أيضاً عن الرب و خذلانه و النبذ الذي يطاردني أينما ذهبت .و عن صلاة ليلية باكية تتعلق بخيط ضعيف ينقطع في ثانية لتبدأ حياة كاملة خالية من الإيمان و مليئة بالوحدة .
كل تلك الأشياء التي بدأناها من سيكملها ؟.
كل تلك الكتب و الأغاني و الأفلام و الليالي الطويلة و السهر من سيكملنا فيها ؟.
إلى أين تذهب روح مهجورة ملآي بالفراغ ؟.
لا أتلقى الجواب أبداً . و لن تحمل القصيدة أجوبة .ستكون وسيلة خرقاء للتكيف مع الأسئلة و الفراغات في القلب .

سأجمع مفرداتي اليومية و لحظات السكون و انتظار اللاشيء و تلك الربتات الخفيفة التي أحتاجها خلف أكتافي و على أضلعي . و سألقي بهم في القصيدة التي تمس الوحيدون مثلي  و يعانقوها ثم يزفرون دمعة ساخنة بحجم جرحهم و هجرانهم و سينساها الكل .كأنني لم أكتبها قط .

الخميس، 4 أبريل 2019

في الحلم

على مرات عدة أرى ذلك الحلم كثيراً .أذهب لرجل بعيد لا أتذكر وجهه لكنه يكرهني .أحد ما يسلمني إليه فيمسك برقبتي و يبدأ في الضغط .أصحو مفزوعة و أتحسس رقبتي و أخشى استكمال نومي كيلا يطالعني نفس الرجل ثانية .
منذ أيام حلمت بكلب لاهث يطاردني أختبيء منه فيكشفني . تخبرني صديقتي أن الكلب يعني أن هناك شخص ما يحسدني .أخبرها أنني أتعجب من بؤس من يحاول ذلك فهل هناك أسوأ من حظ امرأة فقدت نصفها الآخر فصارت عرجاء ؟.

في المسلسل الأسباني "if i hadn't met you" يحاول إدوارد عبور الأكوان لمقابلة حبيبته و أطفاله الذين فقدهم في حادث .و في كل كون يقابل حبيبته ثم يتسبب في اختلال عالمها .تقنعه نسخة منها بالبقاء معها فيرفض .تسأله الفيزيائية لماذا لم يظل معها فيخبرها بأنها لم تكن هي . يستمر في عبور الأكوان كي يختلي بلحظات بها و بأطفاله .لحظات تبدو لنا غير مهمة لكننا بعد زمن نتمنى أن يتجمد الزمن عندها .

أملك الكثير من تلك اللحظات لكنني أدرك أنه لا يوجد هناك ما يمكن تغييره .إذا عدت في الزمن سأكرر نفس الأخطاء و ربما سأعيش بمزيد من التفاني .بالكثير من العناق و الامتننان لتلك اللحظات .

يطالعني وجه محبب غائم في المنام فأستكين أحكي له عن خيباتي و شهيتي المفقودة و الوحشة التي امتلأ بها قلبي فيربت على ظهري .تتضح معالمه فهل يجوز أن أشتكي منك إليك ؟.


الأربعاء، 13 مارس 2019

نص إيروتيكي

تنتابني أحياناً تلك الرغبة في كتابة نص إيروتيكي عنا و عن أجسادنا .ندباتنا و خيبات أملنا .لكنني أدرك الآن كم كانت رثة تلك الأجساد فبفعل هبة ريح تستحيل رماداً .
تنتابني أحياناً كخيال مراهقة اعتادت العيش تحت ظل دائماً فتستحيل مجرد ظل أتي و رحل .تلك الوحدة القسرية لا تبدو وحدة فقط بل نبذ متعمد لأشباحنا و ذاكرتنا الخيالية .
و مثل مراهقة أترك لأعبث بوجه خيالي و صديق عابر ليستحيل ظلاً لي .أخبره عن خيباتي و عن آمالي و عن القلادة الفارغة التي ستمتليء دائماً بصورة واحدة لرجلين .
سأخبره عن نوبة بكائي في المطعم حينما أدركت أننا لم نعد ثلاثة و صرنا إثنان وحيدان .أحدنا طفل لن يحظى برفقاء و الأخرى هي أنا عشت تحت ظل إلى أن صرت ظلاً .و الظل يختبيء ليلاً خلف الأغطية الدافئة بقلب بارد دوماً .يستعيد لحظات حميمة ليهدأ لكنها باعثة على الحزن .
كم كانت أجسادنا فتية تستحق الكتابة عنها .تقتات على الحب و الشغف و تأنس بالدفء و الشتاء .
كم كان قاس هذا الشتاء الذي أخبرني أنني سأبحث عن دفء لم يعد موجوداً و أأتنس بظلاً هجرني .و أقتات على بهجة طفل تربيه أم غاضبة .